ابراهيم بن عمر البقاعي

39

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك . انتهى . وسيأتي عند قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 165 ] ما يلتفت إلى هنا . قال الحرالي : « الكفر » تغطية ما حقه الإظهار ، و « الإنذار » الإعلام بما يحذر ، و « الختم » إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و « القلب » مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه ، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء ، والقلب من الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره ، وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلبا ، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه صلّى اللّه عليه وسلّم بمقلب القلوب « 1 » ، « والغشاوة » غطاء مجلل لا يبدو معه من المغطى شيء ، و « العذاب » إيلام لا إجهاز فيه ، و « العظيم » الآخذ في الجهات كلها . انتهى . وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له . إذ قال « اهدنا » فهداه ، وإعلام بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحّوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة . ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون ، وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم ، فأضر الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن ؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان « 2 » الخطابي في المعنى : تحرّز من الجهال جهدك أنهم * وإن أظهروا فيك المودة أعداء وإن كان فيهم من يسرك فعله * فكل لذيذ الطعم أوجله داء لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم ، فقبح أمورهم ووهّى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في المقال فقال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين : مؤمن وكافر ، وانقسم الكافر قسمين : فمنهم من جاهر وقال : لا نؤمن أبدا ، ومنهم من يقول ، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام ، أو لأنه سبحانه لما

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 6628 و 7391 والترمذي 1540 والنسائي 7 / 2 - 3 وابن ماجة 2093 وأحمد 2 / 25 وابن حبان 4332 كلهم عن ابن عمر قال : « كانت يمين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لا ، ومقلب القلوب » ا ه . وأما كونه أكثر قسمه . فالصواب أن الأكثر بلفظ : « والذي نفسي بيده » . ( 2 ) هو الإمام الحافظ حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب صاحب التصانيف من ولد زيد بن الخطاب توفي سنة : 388 .